فضاءات الدهشة

يهتم بالكتابة المدهشة..رئيس التحرير أحمد الفلاحي

كتابات

صلاح بوسريف.. فاكهة فيها كثير من المحبة

محمد بنقدور الوهراني

 

منذ (فاكهة الليل)، وأنا أقطف من حقل صلاح بوسريف الأدبي، ومن شجرته الشعرية، كل أنواع الغلة، من ثمار وفواكه وسنابل وعناقيد…
منذ وقت طويل، وبالضبط بتاريخ 1995/03/29، كتب ووقع صلاح بوسريف في نسختي من ديوان فاكهة الليل،( هذه فاكهة فيها كثير من المحبة لك)، ومنذ ذلك التاريخ أصبح صلاح ضمن دائرة الشعراء الذين أحب أن أسمهم كلما سنحت الفرصة، وأقرأ لهم كلما جد جديدهم.
ومن عجائب الأمور، أنني لما عدت للأدب والشعر، بعد انقطاع استمر أكثر من 15 ، كان أول نشاط أتابعه وأساهم في تنظيمه، في الفرع المحلي لاتحاد كتاب المغرب بمدينة القصر الكبير، خاص بصلاح بوسريف، وكنت أنا من استقبله ورافقه، كان ذلك سنة 2014.
مرت السنين ولازال لصلاح بوسريف صداه في خاطري، وفِي كل لقاء معه، أستنشق منه بعض الرائحة من حوض معرفته، بتقدير وغبطة ومحبة، كما كان الحال أخيرا بمدينة العرائش.
صلاح بوسريف واحد من رموز جيل الثمانينيات الذين تأثروا وأثروا في المشهد الشعري المغربي المعاصر، وواكبوا التجربة الشعرية المغربية الحديثة بكثير من الانتباه الفكري والإحساس الجمالي والطموح الفني.
صلاح بوسريف، وعدد من المتتبعين لمسيرة الشعر المغربي المعاصر، يعتبرون جيل الثمانينيّات الشعري أهم جيل في تاريخ الشعر المغربي، لسببين:
السبب الأول، لأنه جاء بعد جيلين شعريين كان لهما شأن عظيم في بلورة وعي شعري مغربي جديد، سواء من حيث المفهوم الجمالي أو البنية الفنية أو الخلفية الفكرية.
ونقصد بهذا، جيل المؤسسين الستيني وجيل التابعين السبعيني.
السبب الثاني، لأنه استطاع مواجهة السطوة الكبيرة للجيل السبعيني، والوقوف في وجه اختياراته الإبداعية وتبخيس منزعها الإيديولوجي والسياسي، مع تقديم بدائل فنية أخرى مستنبطة من الذات والوجدان وما يدخل في مقامهما.
وقد أظهر التاريخ أن الجيل الثمانيني كان على حق في منزعه الرامي إلى تدمير الملمح الإيديولوجي في القصيد المغربية، إذ سرعان ما تخففت وتحررت من ثقله وانطلقت سريعة في ملكوت الشعر الفسيحة.
كان صلاح بوسريف في طليعة هذا الجيل، إن على مستوى التنظير الفكري، أو على مستوى الممارسة الشعرية.
صلاح بوسريف كان، ولازال، يتساءل عن سبب اهتمام النقاد والمتتبعين بتجربة الستينيات والسبعينيين فقط، بدون الالتفات إلى تجربة الثمانيين، إلا بشكل استثنائي أو فيما ندر.
هل كان صلاح بوسريف، ومن خلاله جيل الثمانينيّات، يحس بالغبن الشعري؟
هل يمكن اعتبار كتاب صلاح بوسريف (المغايرة والاختلاف في الشعر المغربي المعاصر) تبنيا لهذا الجيل ودفاعا عنه وعن وجوده.
وهل يمكن اعتبار كتاب المغايرة والاختلاف تتمة موضوعية لكتاب محمد بنيس (ظاهرة الشعر المعصر في المغرب) الذي اهتم بجيل الستينيات، وكتاب عبد الله راجع (القصيدة المغربية المعاصرة) الذي اهتم بحيل السبعينات؟
كيفما كان الجواب، فالثابت أن صلاح بوسريف كان في مقدمة المساهمين في إصلاح عطب القصيدة المغربية الحديثة عندما كان يؤكد في كتاباته ومناظراته ونقاشاته ومواجهاته على الشرط الجمالي للقصيدة، وهو بهذا كان يؤسس لها سلاحا فعالا لمواجهة الشرط الإيديولوجي السائد حينذاك.
هذه الحسنة لوحدها كافية لجعل صلاح بوسريف شاعراً مستبصرا في مملكة الشعراء.
كتب صلاح بوسريف كثيرا وأصدر كثيرا، في الشعر وفي النظرية الشعرية وفي التأطير الشعري والثقافي.
خلّف صلاح بوسريف إنتاجا شعريا معتبرا، بدأه بـ(فاكهة الليل)، 1995، وأنهاه بـ (خصال الماء)، 2019، وبين الفاكهة والماء تعدد السفر الشعري لصلاح، بين السماء والشجر والنتوءات والمرآة والشهوات والشرفة بخبزها وحجرها، والرفات، كل هذا، يا هذا، خلّفه صلاح بوسريف وطرحه في الطريق، معاني وعبر للسالكين وللعابرين فوق جسر القصيدة المغربية بكل تلاوينها، بحثا عن إشراقة أو كشف أو طريق. في هذا الصدد، تبقى قضية الحداثة وما بعد الحداثة، وقصتهما مع صلاح بوسريف، هي أهم ما يميزه، وهي قصة يعرفها الكثيرون، ويكفي أن نعرف أن واحداً من علامات النقد المغربي (نجيب العوفي) يسمي صلاح بوسريف بنشيد الحداثة.
إلا أن القصة التي يجب أن تحكى هي الوقوف المثير للجدل الذي يقوم به صلاح بوسريف في وجه تيار مابعد الحداثة، والصرامة النقدية التي يواجهه بها.
صلاح بوسريف، وهو يحارب في هذه الواجهة، يلخص القصة في رأي يحمل وجاهته حينما يربط ضرورة خروج مجتمعاتنا العربية من (الماقبلي) حتى تدخل في (المابعدي).
هذا الموقف، هل له علاقة بتعصب ما لصلاح بوسريف لجيل الثمانينيات، باعتباره جيلا لازال دوره قائما، وحاجة الشعر المغربي إليه لازالت قائمة؟
أليس هذا سد للباب في وجه الأجيال الشعرية اللاحقة التي اعتبرت الحداثة إحدى أهم الأعطاب الشعرية التي أدخلت القصيدة المغربية في غرفة إنعاش، لازالت تقيم فيها إلى خد الآن، بشكل من الأشكال؟
الحديث عن الحداثة وتمظهراتها وإحالاتها وسياقاتها يظهر لنا أن صلاح بوسريف رجل المعارك المعرفية والفكرية والنقدية والشعرية بامتياز.
كل الموضوعات الكبرى المتعلقة بالثقافة المغربية، في عموميتها، أدلى بدلوه فيها وأرغى وأزبد في تقويمها وأفتى في نوازلها، برأي وبفكرة وبتصور وبمنهج وبرؤية للعالم لا تخطؤها العين، فضلا عن العقل.
ليس مهما أن تتفق مع صلاح بوسريف أو تختلف معه أو تنتقده أو تجاريه في طروحاته أو تبحث له عن مبررات أو تخلق له عوائق ومطبات…
هذا ليس مهما، المهم هو أن تتساءل مع نفسك، ومع ضميرك الفكري والشعري، هل صلاح بوسريف يقول شيئا؟
القول هنا، ليس بمعناه الفونيتيكي، ولكنه القول بمعناه المعرفي الشامل.
صلاح بوسريف يكتب بوعي إصلاحي طلائعي كامل، يأخذ بعين الاعتبار المرحلة التاريخية التي ينتمي إليها، والقضايا الواجب الانتباه إليها ومعالجتها، وفِي نفس الوقت تقديم الحلول والبدائل لها.
ربما من هذا الجانب، وتحقيقا لهذه الرسالة التي يعتبر صلاح بوسريف نفسه حاملا لها، من هذا الجانب، يجيب دعوة من دعاه، ليس ضرورة أن تكون الدعوة من جهة خاصة أو سامية أوعالية، في مدن المركز أو الهامش أو في البوادي، المهم عنده هو تربة ثقافية خصبة صالحة لبذر ما تيسر له من معرفة وشعر.
وهذه، تعتبر من حسناته الكبرى.
صلاح بوسريف، بعد كل هذا، وقبله، شاعر، قبل أن يكون أي شيء، شاعر مسافر طائر منقب غائص في عمق الأشياء والجهات والحال والأحوال.
وأنت تقرأ له:
ومن الجبة أخرجت وجهي
وكان العظم شاخ
فقلت:
رويدا
وكنت خيولك في الصدر تطعن
ساريا كشرارة برق
بين عينيكَ نهر
وفِي القلب مساحة ضوء
وآصرة تربط الكون بالناس.

أو تقرأ قوله:
هل تكفي سماء واحدة
هل يكفي ان أسور هذا الضوء
المنبعث من سماء نائمة
هل لي ان ازاوج بين هواءين
وأصبو لحلم
راودني منذ قديم الزمن

أو تقرأ له:
من أتاح لهذا السور أن يلملم شقوقه
ويواري
خلف أقواسه
آثار
أقدام عابرة

وأنت تقرأ هذا، ومثله كثير، لا يمكنك أن تمر مرور الكرام، بدون أن تنتبه للبناء الشعري المرصوص، والصور الشعرية المثيرة للمخيلة الشعرية، واللغة، بانسيابها وخيلائها وأناقتها وفتنتها ورشاقتها.
اللغة هي من بين ما يميز صلاح بوسريف، في شعره ونثره وحديثه، هو خالق تعابير وبنيات لغوية جديدة، إن لم تكن مخترعة، لأنه يشتغل على اللغة وكأنها شغله الشاغل.
أليس هو القائل، ( مواجهة اللغة أقسى ما يواجهه الشاعر)؟
صلاح بوسريف، رغم كل الضجيج الذي يرافق سفره المعرفي، يظل من الكتاب المغاربة القلائل الذين يكتبون وينشرون بشكل دائم ومستمر، مقالات صحفية مختلفة المنزع والخلفيات، وكتب عديدة متعددة المشارب، ودواوين شعر متنوعة في البناء والإحالات، واحدة في الرؤية والنظر والإيمان بالشعر كسبيل للتغيير والإصلاح.
صلاح بوسريف يكتب بوعي كامل بالمرحلة التاريخية التي يعيشها وينتمي إليها.
صلاح بوسريف يكتب، وفِي نفس الوقت يضع أسئلة للكتابة، مادامت أسئلة الكتابة هي أسئلة الحياة نفسها.
هل يقدم صلاح بوسريف جوابا، أو أجوبة، على أسئلة الكتابة؟
(الكتابة إشارة وجود)، هذا ما يجيب به الشاعر. وسلاما على صديقي الشاعر.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *