فضاءات الدهشة

يهتم بالكتابة المدهشة..رئيس التحرير أحمد الفلاحي

قصة وسرد

حين يكتمل القمر

مروان الشريفي

 

منذ مدة كنت قد عينت فتاة تدعى (سهام) للعمل كسكرتيرة لتنظيم مواعيد الزيارات المسائية إلى منازل المرضى الذي لم تسعهم أسرّة المشفى الحكومي، لا سيما بعد اندلاع الحرب، أهاتفها كل مساء نتحدث كالعادة وعندما أقفل السماعة أكون قد دونت عناوين قرأتها لي، أضع في حقيبتي بعض الأدوية، وأشياء قد أحتاجها لتنظيف جرح أحدهم، أستقل سيارتي، وتحت أصوات القصف العشوائي أبدأ عملي، تنقضي ساعات أشعر بعدها بالإنهاك، ولكن كل هذا يتلاشى بمجرد تذكري وجوه الأطفال التي بدأت حالاتهم تتحسن كثيرًا.
كان الوقت مساءً ذات ليلة من ليالي (حزيران) عندما اتجهت نحو شرفة غرفتي، جلست أتناول بعض السجائر تحت ضوء القمر، وبينما كنت منهمكًا في قراءة صحف الأمس، سمعت صوت هاتفي، التقطته من الطاولة الموضوعة أمامي والتي يتوسطها كأسًا من قهوة (البُن) (1) أرتشفها ببطء، كان اسم سهام على شاشة الهاتف، لم يزعجني اتصالها في وقت متأخر كهذا، كان شوقي لسماع صوتها الجميل يحتمل كل أذى:
– آلوووو…
– مرحبا سهام (قلت ذلك بسرعة).
– مرحبًا بك دكتور..
هكذا قالت قبل أن تعتذر، منبهة بشيء مهم يخصني بداخل ظرف صغير كتب عليه اسمي، لتعود إلى حديثها قائلة:
– من الأفضل أن تأتي لتأخذه قبل ذهابك إلى العمل يا دكتور.
أجبت بعد أن تحللت نوتات صوتها في مسمعي..
– لكن الأمر لا يتطلب كل هذا الاهتمام يا سهام! فأنا لا أتوقع وجود شيء مهم يحتويه هذا الظرف السخيف.. قد يكون واحد من تلك الظروف التي تأتيني لحضور مناسبة ما، يا لسخافتهم كم أمقتهم عندما يرسلون إليّ دعوة في ظروف عملي هذه.
دام الصمت برهة كما لو كانت لا تتوقع مني هذا الرد، لكنها لم تهتم، عاد صوتها ولكن هذه المرة بجدية وانفعال شديدين:
– أرجوك يا دكتور.. فالطفلة التي عهدت إليّ تسليمه إليك أخبرتني أن لا تتأخر في فتحه والاطلاع عليه.
كان كلامها الأخير قد أثار فيَّ الفضول لمعرفة ما يحتوي عليه الظرف حالا، لذلك لم أتوان في طلبي من سهام بأن تفتحه، وتقرأ على مسمعي ما فيه من كلام. اعتذرت سهام في البداية! ولكنني أقنعتها بأنه قد يكون أمرًا لا يتطلب الانتظار إلى الغد.
تناولت سيجارتي الأخيرة، بدأت سهام تقرأ الرسالة بصوتها العذب:
” دكتوري العزيز:
كنت قد وعدتني في غرفة العمليات بأن تعود قدمي التي بترتها قذيفة عند اكتمال القمر، هلاّ نظرت إلى السماء، ما زلت بلا قدم ولن أستطيع الرقص مع زميلاتي في حفل المدرسة بعد أيام.
طفلتك التي تحبك كثيرًا (فدوى)”.
أسندت رأسي إلى الخلف، عيناي نحو السماء، وقبل أن تقفل سهام سماعة الهاتف، شاهدت وجهها في القمر وقد راحت تذرف الدمع كالمطر.

 

 

* كاتب وقاص يمني

 

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *