فضاءات الدهشة

يهتم بالكتابة المدهشة..رئيس التحرير أحمد الفلاحي

نصوص

غرق داخلي

عبدالغفار العوضي

 

لأن العاطفة تتفتت أيضا داخل العظام المتعبة،
وهى تعبر من ممر التذكر ..
كيف كان لون هذا الشارع القديم ..لون البيوت التى كنت أرسمها بالرصاص على ورق خفيف يصلح للهرب بعيدا،
لحظة اشتعال صراع غامض بين الذاكرة والهواء..

كل شيء يهرب
الروائح
شكل الملابس الطفولية
خيوط الطائرات الورقية
كراسات الإملاء
الذنوب الصغيرة
الآلهة التى لم تصمد طويلا أمام البكاء الطفولى النقى
العائلة
وزن العظام التى حملتنى طويلا
العاطفة التى تشبه صرير باب خرافى يغلق على مخاوفنا العتيقة
الحزن الطرى الذى يشبه وجه التليمذة الحلو التى تجلس فى الصف الأمامى

هذا هو جحيمى الخاص.. جحيم الصلب كمسيح فقد إيمانه على سارية الوقت..
الوقت..
تلك الهشاشة الكلية التى تكسرنا بوطأتها اللانهائية
الوصول لطرفى العالم بعد أن تتعلق أطرافى الأربعة على جذع الآن؛
الآن..
هذا الألم الهائل لكل الزمن الذى يتجمع بهيئة دمعة
لا تستطيع هزيمة الحسرة
ورؤية الجنة تذوى
كبديل عن الحياة التى لم تصمد طويلا أمام تناقض الوعى..
؛
الفراشة التى تحمل عالما متخيلا على أجنحتها الضعيفة
صراع بين خاسرين يتنافسان على خسارة الندم القديم داخل الذاكرة.

الآن وأنا أحمل فى كفى غبار ما كان يسمى بالحياة الذاتية السابقة
بعد الخامسة والثلاثين،
تصبح السيرة مثل ثور عجوز لا يتحمل جر ساقية الأخطاء القديمة
تصبح الهشاشة تمرينا صباحيا على استقبال حرب الاحتمالات
يصبح الحزن عضلة أصيلة فى الوجه
القدمان جرة مشروخة يسيل منها ملح المشاوير البعيدة
العاطفة تصير مرنة فى التكيف على نمط الاكتئاب الأليف
نتذكر أوجه الغرباء بصعوبة
يمر النهار كذبابة خائفة من نافذة مفتوحة
الحكايات عن الآخر تصبح بديلا عن الذاكرة المفقودة
إعادة تكوين أنسجة الحب بلا جدوى
الرائحة تتسلل من اليد التى تفشل فى القبض على الصدفة
الجسم يصبح أكثر ثقلا من حقيبة سفر مليئة بملابس الشتاء

لماذا أحمل وحدى كل هذا البيت من العلاقات الفاشلة
أنا العائلة التى تفسخت بفعل الصراع الطبقى فى الخارج
أنا وحدة تنفرط بفعل البحث الوحشى عن اللذة
وحدة تنفرط بفعل الوحدة
أتجزئ حين تضغطنى الهوية الأخرى التى لا أعرفها

وأنام مفقودا
كغريق؛
يحمل داخله
ماء فائضا عن المقاومة!

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *