فضاءات الدهشة

يهتم بالكتابة المدهشة..رئيس التحرير أحمد الفلاحي

قصة وسرد

حارس الجبانة

حفناوي سيد/ الجزائر

 

ذات خريف، تحصلت على وظيفة حارس في مقبرة معزولة عن المدينة. المكان كان مناسبا جدا لشخص مثلي لا يحب الاختلاط بالناس كثيرا. ذات يوم، وصلتْ ابنة خالتي ومعها والدتها، جاءت لتزور قبر زوجها وكنت وحيدا في المقبرة.. البنت كانت تتبعها دون هدف واضح.. وضعت الفتاة طبق طعام فوق طاولة مكتبي قرب سجلات الموتى، جلست خالتي ترتاح قليلا،ولم تفكر في إلقاء التحية.. كانت متعبة جدا.. وضيف التنفس يمنعها من الكلام.. جثمت خالتي تحت الملاءة، تنبض كالجنين.. تحت شلال من العرق،لما أكون في المقبرة،أحاول أن أعرف لماذا أهرب من الأفراح.. من الغناء والطرب وقهقهة الدف الطنان.. لماذا أهرب من الفرحة على وجوه الأطفال الجياع.. لماذا لا أحب رؤية العرس.. جئت إلى المقبرة لا لشيء سوى لأهرب إلى المقبرة.. لأرى كل من فيها من أموات وأرى أنني الوحيد من الأحياء حياة الآخرين المرتبطة بحياتنا، لا تهمنا إلا بقدر ما تكون فيها.. المنفعة.. صورة الإنسان في الهروب من أعباء الحياة.. صراع ووسيلة لمتابعة الأحلام في المنفى رغم تفاهتها ودونيتها، وفي لحظة اللاوعي، تنسينا أنفسنا.!!

هربتُ من فضائحي أشتغل حارسا بالمقبرة.. كانت آخر عشيقة لي، قبل توبتي من النساء، امرأة تدرس في الجامعة طلقها زوجها بسببي وظل يبحث عني لشهور عديدة.. راحت المسافة بين قعر السيجارة وبين شفاه فمي تكبر.. تتغير شيئاً فشيئاً.. بدت ببعدها الطبيعي حوالي المترين أو يزيد ثم تأخر الفم،بعد النفس الأول عدة أمتار.. بعد النفس الثالث، تأخرت المقبرة.. بعد النفس الخامس، تأخرت التينة والصخور.. رأيت الطاهر- وطار- يلوح لي بيده من قبره.. ثم لمحت الحاج كيان وسلـّـته الصغيرة.. بعد ذلك،راحت كل المسافات تتباعد،وانفتحت في رأسي وفي قلبي، هوّ تـَان، لا أول ولا آخر لهما وفي الحين الذي شعرت فيه بالتلاشي والذوبان.. شعرت،بأنه يحتل كل ما هنالك من مكان أو زمان.. ترى من أكون اليوم.. الفرعون جاء يزور صديقة الميت.. لا يهم.. ليس في الجبانة…. إلا خالتي وفتاة صغيرة تتبعها.. ليس هناك سوى رحى في حجم الأرض.. تطحن وأنا امتص الطحين.. امتص فتات حلوى الترك.. هؤلاء الموتى.. خرجوا من ديارهم وسكنوا القبور.. هناك من يسكن قبوا.. وهناك من يمتلك القصور.. تراهم هل يمصون مثلي الحلوى الآن.. هيا، هيا… من يريد المزيد من الحلوى.. عندما رأيت كفه مصورة على زجاج القوارير المثلجة.. وقفت ورأيته يطل ممن بين القوارير.. فتركت له كأس شاي.. تركت قطعة الحلوى.. تركت قلبي فوق القبر وذهبت وعندما وصلت قرب باب الجبانة.. رأيته جالسا فوق القبر يأكل قطعة الحلوة.. قلت والفرحة تهزني هزا:

هي القيامة إذن.. وعدوت نحوه وجدت علبة الحلوى ملآنة للنصف.. ولم أجده هو.. لم يعد أحد يذكره.. أنت الآن ميت سيدي.. أتراني الغريب بينكم.. لست أدري.. بالأمس فقط كانوا هنا.. كان معهم يكتب قصة كأس شاي بالنعناع.. كانوا يسعون ويلهثون وراءه لنشر قصة قصيرة.. رواية.. خاطرة.. أكل الثقاب أصابعه.. اشتعل البنزين في دفاتره.. تساقطوا كلهم في الجبانة كالبعوض الواحد تلو الآخر.. أتوا بهم قطعا من المومياء تم لفها.. في ورق البردي.. بعضهم ملفوف في خرق وأسمال بالية.. والبعض الآخر في خرق بالية.. أريد أن ألف سيجارة في ورق شاي بالنعناع.. دفنوهم هنا جميعا تحت الأرض قرب الحشرات والنمل وبقايا الجذور.. تركوهم في المقبرة.. ينتظرون زائرا يحمل الحلوى لعلهم ينتظرون أن أكون معهم اليوم .. لأسمعهم الحكاية.. حكاية عمي الطاهر ومحمد شكري و الطيب صالح ورائعة قابريال قارسيا ماركيز.. سقطت دمعتان من العين اليمنى.. تناول الميت ذرة حلوى من العلبة.. مضغت التبغ قليلا و قليلا من رقاقة الحلوة.. وانطلقت في تذويبها في فمي ” ذوّب ذوّب.. ذوب” محلاها.. ما أجمل الموت.. ترى لماذا برع الناس في صنع هذه الحلوى.. خرجت من الجبانة ودخلت غرفتي دون أن انتظر رجوع خالتي وابنتها.. غمر السحاب المقبرة فجأة.. ونزل الغيم فوق القبور.. فتحت الباب الصغير.. لا أحد في الجبانة غيري.. أشعلت الفانوس الصغير ودخلت في ليلة جديدة من عمري كحارس في مقبرة المدينة.

اترك ردا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *